أدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالاتنثر

الضمير هو العائق…أمام سعادتنا

لعنة اليقظة: هل الضمير هو العائق الوحيد أمام سعادتنا المطلقة؟

بقلم باهر رجب

باهر رجب
باهر رجب

في ممرات الحياة المزدحمة، يتردد سؤال خافت يطرحه الكثيرون في لحظات الضعف أو الإحباط: “هل كنا سنصبح أكثر سعادة لو لم يرزقنا الله بضمير؟”. هذا التساؤل ليس مجرد دعوة للانفلات الأخلاقي، بل هو انعكاس للصراع الأزلي بين متطلبات النفس البشرية الباحثة عن الراحة السهلة، وبين ذلك الصوت الداخلي الذي يلح بطلب الحق والعدل و المثالية.

الضمير كـ “مكابح” للرغبات

من الناحية النظرية، يبدو الشخص “عديم الضمير” أكثر حظا في عالم مادي. فهو لا يشعر بوخز الندم عندما يتسلق على أكتاف الآخرين، ولا يطارده الأرق إذا حقق ثروة بطرق ملتوية، ولا ينهكه التفكير في مشاعر من حوله. بالنسبة له، الطريق إلى الهدف “مستقيم” دائما، لأنه لا يرى العثرات الأخلاقية التي يراها الإنسان السوي.

مقالات ذات صلة

إن “اللا ضمير” يمنح صاحبه نوعا من الحرية الزائفة. حرية من قيود المسؤولية، وحرية من ألم التعاطف. فبينما يقضي الشخص صاحب الضمير ليله في مراجعة كلماته وتصرفاته، ينام عديم الضمير ملء جفونه، غير مكترث بتبعات أفعاله، طالما أنها تخدم مصالحه الشخصية.

ثمن السعادة الباردة

لكن، هل هذه هي “السعادة” حقا؟ يرى علماء النفس أن السعادة التي تنتج عن غياب الضمير هي سعادة “سطحية” و”باردة”. الضمير، رغم ألمه، هو ما يمنح الحياة معناها الإنساني. بدون الضمير، تصبح العلاقات الإنسانية مجرد صفقات تبادلية، ويتحول الحب إلى استغلال، والصداقة إلى وسيلة.

الضمير هو العائق
الضمير هو العائق

الإنسان الذي يعيش بلا ضمير قد يمتلك “الراحة”، لكنه يفتقد “السكينة”. هناك فرق شاسع بين غياب المتاعب وبين وجود الطمأنينة. فالضمير هو الرابط الذي يربطنا بالمجتمع و بالقيم العليا، وبدونه يتحول الإنسان إلى كائن بيولوجي يبحث عن إشباع غرائزه فقط، تماما كأي كائن حي آخر، مما يجرده من أسمى صفاته البشرية.

ضريبة الأخلاق في واقع معقد

لا يمكن إنكار أن التمسك بالضمير في زمننا الحالي قد يبدو أحيانا كضريبة باهظة الثمن. فالمتمسك بمبادئه قد يرى نفسه متأخرا في سباق الصعود الوظيفي، أو قد يجد نفسه وحيدا في مواقف تتطلب “المرونة” الأخلاقية. هذا التفاوت هو ما يجعل القول “كنا سنصبح أسعد بدون ضمير” يبدو منطقيا للوهلة الأولى.

ومع ذلك، تظل الحقيقة الصادمة هي أن ألم الضمير هو علامة على الصحة النفسية. إن الشعور بالذنب هو “جهاز إنذار” يحمينا من السقوط في هاوية التوحش. السعادة الحقيقية لا تكمن في الهروب من المسؤولية، بل في التصالح مع الذات. تلك اللحظة التي يضع فيها الإنسان رأسه على الوسادة وهو يعلم أنه لم يظلم أحداً، ولم يبع مبادئه مقابل عرض زائل.

الخلاصة

ربما كنا سنصبح “أرشق” في تسلق سلم النجاح المادي لو لم يكن لدينا ضمير، وربما كانت أيامنا “أخف” من أعباء التفكير في الآخرين، لكننا بالتأكيد كنا سنفقد طعم “الإنسانية“. الضمير هو البوصلة التي، رغم أنها قد تشير أحيانا إلى طرق وعرة، إلا أنها الوحيدة التي تضمن لنا ألا نضل الطريق إلى أنفسنا في نهاية المطاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى